بسم الله الرحمن الرحيم
أرتقب يوم تأتِ السماء بدخان مبين – 5
مركز القادسيتيين للدراسات والبحوث القومية
د . شاكر الحاج مخلف
رئيس تحرير جريدة المدار الأدبي
رسالة تكشف عن كارثة في العراق *
العراق يمرّ الآن بأزمة مياه حادة يحاول النظام الحاكم وجهات الإعلام التابعة له التعتيم خوفا من التداعيات المترتبة عليها ، الجفاف يضرب مناطق واسعة من الفرات الأوسط وعموم مناطق الجنوب ، بسبب النقص الحاد في المياه في نهري دجلة والفرات ، وذلك ناجم عن تزايد بناء السدود والموانع داخل الأراضي التركية والسورية ، التي حجزت كميات كبيرة من المياه أكثر من الحصص المتفق عليها بين الدول الثلاثة ، الأمر الذي يشكل بداية أزمة حادة في العلاقات المتبادلة وكذلك يؤدي إلى توتر مستمر أيضا مرشح للانفجار في أي وقت ويؤدي إلى مواجهات عسكرية أو إعلامية أو قضايا تفتح بشكوى لدى منظمات لها اهتمام مباشر عالمي ، الشحة في تدفق المياه يؤدي إلى خلل ونقص حاد يؤثر سلبا على اقتصاد العراق الزراعي ، ومنذ أن شرعت تركيا في إقامة سدودها الكثيرة على مجرى النهرين – دجلة والفرات – والأزمة تتكرر بين الحين والآخر ويزداد ما ينتج عنها من أضرار في كل مرة بسبب ازدياد الحاجة إلى المياه مع تطور ملحوظ في الحياة الاقتصادية والزراعية والصناعية والاستعمالات المنزلية ، لقد ظهرت دراسات عديدة تعالج هذا الجانب الحيوي في المشكلة وقدمت الحلول ورسمت الطرق الفنية المناسبة والمدروسة التي تساعد على حسن استغلال المياه المتوفرة وبأحدث الأساليب التقنية والحث على تجنب الهدر وسوء الاستعمال ، كما نبهت الجهات القانونية إلى ضرورة التقيد بنصوص الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة بين الدول الثلاثة المتجاورة والتي يمر في أراضيها كلا النهرين ، كما نبهت الدراسات القانونية إلى أهمية التزام تركيا بضمان حقوق العراق وضمان الحصة المقررة له ، وعدم الاستحواذ عليها ، كما تبادلت وفود عديدة ولجان مشتركة تقديم أوراق عمل للتفاهم والتفاوض وضمان الاتفاق حول آلية للعمل ودعم الحقوق المشتركة والتي على ضوئها تعمل كل دولة إلى دراسة وتنفيذ المشاريع وفق معطيات واقعية وثابتة بعد معرفة وتحديد كمية المياه المتوفرة سواء من داخل الأراضي التركية أو السورية أو تلك الكميات الأخرى التي تأتي من الأنهار في الدول المجاورة ..
أصل المشكلة
لم تكن مشكلة المياه التي وصلت ذروتها المؤثرة سلبا على حياة الناس والزراعة في عهد – نوري المالكي – كان وقعها أخف بكثير في الماضي ، وكان للحكومة السابقة سطوتها وحزمها تجاه تركيا وسوريا ، وبسبب الفوضى ووصول عناصر جاهلة وغير واعية بشؤون الحكم ومتابعة هموم الوطن والاتفاقيات المعقودة بين العراق والدول المجاورة ، عمدت تركيا وسوريا إلى استغلال تلك الظروف وعملت على حجز أكبر كميات من المياه مخالفة كل منهما الاتفاقيات المبرمة بينهما والعراق ، أم دولة المنبع – تركيا - أقامت العديد من السدود والمشاريع الزراعية الضخمة جنوب شرق الأناضول – وصل عدد السدود على نهر الفرات قبل دخوله الأراضي العراقية 40 سدا - تلك جعلت كمية المياه المتدفقة نحو العراق تتضائل وتصبح أقل من حجم المنسوب المتدفق في حوضي النهرين المتفق عليه ضمن المعاهدات والبروتوكولات المعقودة بين الدول الثلاثة ، أن المشكلة تكاد تكون صورة مكررة بين دول عديدة ولكن الحلول توفرت لها بشكل منطقي منع حدوث حالات تفجر ، الحالة الماثلة الآن تأخذ بعدا سياسيا وعرقيا ، لم تكن المياه المتدفقة في الأنهار الدولية في السنين الماضية تشكل مناطق ملتهبة أو تدور حولها سيناريوهات عسكرية مختومة بالشمع الأحمر ، وجاهزة للتنفيذ في السنين الأخيرة صارت تلك المشكلة تقترب من حافة حرب حقيقية ، عدم التفاهم أو التفاهم الانتهازي وعدم المتوازن مع القوانين أدى في الكثير من الأحيان إلى حصول كوارث بين الدول المتجاورة ومنها تركيا والعراق وسوريا ، وحادثة سد – زيرون – كانت خير دليل على ذلك أن الضرر الفادح قد لحق بالعراق بسبب سياسة الأطراف الأخرى ...
مياه وسدود
أن السدود التي أقيمت داخل الأراضي التركية تستهلك غالبية وارد نهر – الفرات – من المياه ولقد أصبح من الضرورة بمكان بل من المحتم العمل على إنجاز اتفاقية واقعية تأخذ بعين الاعتبار حاجة الدول الأخرى كما تعمل تركيا على الالتزام بنصوصها وتنفيذها بدقة ، وأن تكون حقوق جميع الدول المتشاطئة على نهري الفرات ودجلة في كميات معقولة ومقبولة ونظيفة وغير ملوثة من المياه الصالحة للشرب والزراعة ، وأن يتم ذلك وفق الأعراف والمعايير الدولية والحقوق المكتسبة ، وخاصة الالتزام بنصوص قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية رغم معارضة تركيا له وعدم مصادقتها عليه ، وغير ذلك السلوك لا يوجد مطلقا أي حلّ آخر يضمن الاستقرار في المنطقة ويجعل علاقات الدول الثلاثة يسودها التفاهم والتعاون وحسن الجوار بما ينتج عن ذلك من مصلحة مشتركة للجميع ، أو في حالة عدم التعاون فإن تلك المنطقة ستكون على شفير حرب تحرق الأخضر واليابس - كما يقال - وتضع الأجيال القادمة داخل نفق لا يلوح فيه بصيص أمل للسلام والتفاهم ..
القواعد الدولية والاتفاقات
استعرض بعض بنود القواعد الدولية والاتفاقات القائمة بين الدول الثلاثة لوضع نهري دجلة والفرات في إطار الجدولة والتعاون في استخدام المياه وتحديد منسوب النهرين والحصة المحددة للعراق ، وخاصة في الأغراض غير الملاحية وذلك تمشيا مع القوانين التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ، والتي حددت أيضا القواعد والأصول الواجب إتباعها في حفظ حقوق الدول المتشاطئة على الأنهار الدولية وعرفت هذه الأنهار بشكل واضح مع حوضها وروافدها بشكل أصبحت معه كل التعاريف الأخرى لاغية أو باطلة وبخاصة ذلك التعريف الذي تنطلق منه الحكومات التركية المتعاقبة حيث تفسر المشكلة على أنها تتعلق " بأنهار عابرة للحدود وليست دولية " وتلك المعاهدة تعتبر أول معاهدة شاملة في هذا الموضوع إذ كانت غالبية المعاهدات السابقة تدور حول حفظ الحق بحرية الملاحة في الأنهار الدولية المشتركة لقد أحاطت أكثر الاتفاقيات بالشروط والمطالب الإقليمية وخلصت إلى وضع قواعد قانونية ومقررات لجان البحث المختصة والمعاهدات والاتفاقيات القائمة بين الدول ، والتركيز على أسلوب التقاسم العادل لمياه الأنهار الدولية بما يحفظ حقوق الدول المتشاطئة ويجنبها الخلافات والمنازعات ، لقد حرص المجتمع الدولي في مناسبات عديدة على إعداد الدراسات والقواعد الناظمة لذلك مستفيدا من القواعد التي وضعت وحظيت بالاتفاق والإجماع حولها والتي تخص بشكل أساسي موضوع الملاحة في الأنهار الدولية ، أن المجتمع الدولي يتذكر اهتمام وجهد الأمم المتحدة خلال 35 عاما على شرح تلك القواعد وتطبيقها تجنبا لأي توتر أو نزاع دوليين مع مراعاة مشاكل المياه الدولية المشتركة مع جهود التنمية وتمشيا مع ميثاق المنظمة الدولية وتعزيزا للتعاون بين الدول فقد أطلقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على عقد الثمانينات من القرن الماضي اسم – عقد المياه - ...
مشاكل دون حلول
أن الدول التي لا تنظر إلا إلى لمصالحها الضيقة فقط ولا تهتم بمصالح الدول الأخرى ولا تلتزم بالأعراف والقوانين الدولية – تركيا – إحدى تلك الدول ، فهي لا تتوقف عن التصريح بشكل مستمر عن عدم وجود قواعد قانونية دولية عامة تحكم وتحدد التصرف بمياه الأنهار الدولية سوى المعاهدات الثنائية ، وذلك بغية التحكم بالمياه التي تنبع من أراضيها أو تمر عبرها بصرف النظر عن حقوق ومصالح الدول المتشاطئة الأخرى ، وقد أيد هذا المبدأ عدد محدود جدا من الفقهاء في القانون الدولي ، كما التزمت به الكثير من الحكومات ذات الاهتمام المشترك ، وربما من الجدير بالذكر أن نشير إلى أن الاتجاه الأقوى قبل التوصل لمعاهدة استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية سواء بين أصحاب الاختصاص من المشرعين القانونيين أو ما تراه المنظمات والجمعيات الدولية المشتركة وطرق استعمالها والحفاظ على نظافتها وصلاحيتها للاستعمال مع عدم الأضرار بالبيئة والحياة ..
ملاحظة من الكاتب
* الرسالة التي وصلتني من موظف عراقي شهم وغيور يعمل داخل تكوين وزارة الموارد المائية في العراق " يقول فيها :- " اقترح العراق على سوريا إطلاق حصص مائية من خزينها لمعالجة شحة منسوب المياه في نهر الفرات مقابل تعويض مالي ...! ، يُعد تنازلا عن حصة العراق المقررة وفق الاتفاقات السابقة ، جاء ذلك خلال اجتماع وزير الموارد المائية العراقي – عبد اللطيف رشيد – مع نظيره السوري – نادر البني – كما تم الاتفاق بين الدول الثلاثة على عقد اجتماع لمناقشة الوضع الخطير الكارثي الماثل في العراق الذي أدى إلى تقليص المساحات الزراعية إلى النصف وتصحر مساحات شاسعة من البلاد ، واصفا الوضع المائي في البلاد بأنه " كارثة حقيقية " ..... السؤال من يتحمل نتائج تلك الكارثة الرهيبة ...؟ الشعب يحاسب من ...؟
26/ 8 / 2009
الكاتب :
د . شاكر الحاج مخلف