كيف تجعلنا الهيمنة الأميركية أقل أمنا وأقل ازدهارا وأقل حرية؟
موسى القلاب
صحيفة الغد الاردنية
في كتابه الذي صدَرَ حديثا تحت عنوان "مشكلة القوّة: كيف تجعلنا الهيمنة الاميركية اقل امنا واقل ازدهارا واقل حرية"، يقدّم الدكتور كريستوفر ا. بريبل طرحا جريئا حول مشكلة القوة العسكرية الاميركية التي هيمنت على العالم. ولكنها جعلت من الاميركيين اقل امنا واقل ازدهارا واقل حرية.
وفي المقدِّمة يمهد الكاتب للتعريف بالكتاب بانه يتناول التحديدا القوة العسكرية الاميركية من حيث ماهيّتها وكيفية قياسها واستخداماتها بالاضافة الى اعتبارات اخرى تتعلق بتكاليفها والفوائد التي يجنيها الاميركيون من وراء وجود هذه القوة الهائلة. ويبيّن المؤلف كيف ان القوة الاميركية العسكرية الضخمة لم تردع او تخف المهاجمين في الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولم تجعل صدام حسين يرضخ للشروط الأميركية، واستمرت كوريا الشمالية بتجاهل التحذيرات الأميركية، ولم تكن التهديدات الأميركية ضد ايران ذات جدوى.
ويقول الكاتب في هذا الصدد: "ان مقارباتي من السياسة الخارجية الأميركية مختلفة ولا تروق لصنّاع السياسات في واشنطن من جمهوريين وديمقراطيين مع علمي ان التغيير ليس سهلا".
ويبيّن المؤلف ان الأميركيين ينسون في بعض الاحيان ان القوة الوطنية في الولايات المتحدة تشمل اكثر مما هو متعارف عليه بالقوة العسكرية. وبذلك فقدوا رؤية الغرض الذي وجدت لاجله القوة العسكرية واصبحت القوة العسكرية الأميركية بعدة طرق مشكلة حقيقية. وشكّلت هذه المشكلة الاساس الذي ارتكز عليه هذا الكتاب لاثارة النقاش والجدل بهدف الوصول الى حقيقة مفادها وجوب تخفيض القوة العسكرية الأميركية ليصبح الأميركيون اكثر امنا. ويمكن حلّ المشكلة بالعودة الى الدستور الأميركي والى قرون التاريخ لاستنباط ان مهمة القوة العسكرية الأميركية هي تأمين الحرية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأميركية لجميع الأميركيين داخل الولايات المتحدة الأميركية وليس لحماية شركاء في الخارج والتعهد بنشر الديمقراطية في بلدانهم.
ويستطرد الكاتب بالقول "مع ان ادارة كل من بوش الاب وكلينتون كانتا قد ساهمتا في خفض نفقات الافراد والمعدات لكنهما بالوقت نفسه ارسلتا القوات الأميركية الى عدد من المهام الخطيرة والتي لم تكن ضرورية للامن الوطني الأميركي".
ويحاول الكاتب اثبات وجهة نظره هذه بان القوة الحقيقية للامة الأميركية لا تكمن في القوة العسكرية وحدها. واستشهد على ذلك بان من الدروس الاولى المهمة لحقبة الحرب الباردة ان الولايات المتحدة ربحتها ليس عن طريق القوة العسكرية، بل بسبب عوامل قوة كثيرة اجتماعية واقتصادية وثقافية. في حين خسرها الاتحاد السوفيتي الذي بنى ترسانة هائلة من الاسلحة النووية والتقليدية على حساب قوت الشعوب السوفيتية لكنه لم يوفّر للناس في الاسواق احيانا ما يشترونه من المواد الغذائية الاساسية. وعلى الرغم من ذلك، نسي بعض الأميركيين دروس الحرب الباردة خلال العقدين التاليين لسقوط الاتحاد السوفيتي واعتقدوا ان القوة العسكرية الأميركية هي نهاية المطاف. ثم يتساءل الكاتب قائلا: "لقد قدمنا مساعدات لمسلمي البوسنة والهرسك ولكن لماذا لم نساعد المسلمين في الشيشان؟".
وفي الفصل الاول يؤكد الكاتب حقيقة "ان القوة العسكرية هي قوة هيمنة الا انها ليست قادرة على كل شيء." وحتى يتم فهم ذلك لا بد من معرفة ما هي مكونات القوة العسكرية برّا وبحرا وجوّا واين تتوزع تلك التشكيلات العسكرية داخل الولايات المتحدة وخارجها لا بل وماذا تعمل تلك القوات على وجه الالتحديد. ويركّز الكتاب على ان القوى البشرية العاملة والمعدات والاسلحة المستخدمة في الصنوف الاربعة التي تمثل التنظيم العسكري الأميركي للقوات المسلحة وهي الجيش الأميركي (القوات البرية) والبحرية ومشاة البحرية والقوات الجوية الأميركية، حيث ينتشر ما مجموعه 267000 جندي أميركي في اكثر من 100 دولة حول العالم. وذلك من خلال عدد من الاتفاقيات السرّية حول تنظيم تواجد القوات العسكرية الأميركية والتي تتراوح ما بين 80 الى 115 اتفاقية مع دول متعددة على الساحة العالمية، والاهم من ذلك كله ان هذا الانتشار الهائل للقوات العسكرية الأميركية لم يحدث بين عشيّة وضحاها، لا بل انه تفاقم بعد عقدين من افول نجم الحرب الباردة. ويعود الكاتب بشكل موجز الى الجذور التاريخية لانشاء القوة العسكرية الأميركية منذ القرن الثامن عشر ويبيّن كيف تطورّت تلك القوة نسبيا وتدريجيا ما بين الحربين عام 1812 مع البريطانيين والحرب العالمية الثانية عام 1939. ويبيّن المؤلف ماهيّة الدور الفعلي للقوة العسكرية من خلال رؤى واضعي نصوص الدستور الأميركي والرؤساء الأميركيين المؤسسين ومجالس الكونغرس المتعاقبة، وذلك بهدف معرفة كيفية وصول القوات العسكرية الأميركية الى ما وصلت اليه اليوم من حجم هائل وقدرات كبيرة وانتشار واسع النطاق حول العالم، والتي لم تكن بالحسبان عبر مراحل التاسيس الاولى. ومع ذلك، كان الرئيس الأميركي الاسبق دوايت ايزنهاور قد حذّر قبل مغادرته البيت الابيض في الستينيات من القرن الماضي من مغبّة تحكّم المجمع الصناعي الأميركي للاسلحة والمعدّات العسكرية بمجريات الامور المتعلقة بالقوات المسلحة وقرارات الحرب. الا انه على الرغم من تلك التحذيرات وقبل الوصول الى نهاية حقبة الحرب الباردة، كانت قد بدات مرحلة التدخلات العسكرية الأميركية في الخارج، ابتداءً من الجوار الأميركي، حيث الدومنيكان عام 1965، وغرينادا عام 1983 وبنما عام 1989، ثم الانتقال الى العراق عام 1991 والصومال عام 1992. وبعد ذلك في البلقان ثم افغانستان عام 2001، والعراق مرة اخرى عام 2003. ما يزال الوجود العسكري الأميركي في البلقان وافغانستان والعراق ماثلا حتى اليوم.
ويوضّح الفصل الثاني من الكتاب كيفية حساب ومطابقة تكاليف القوة العسكرية للولايات المتحدة الأميركية من خلال طرح التساؤل عن مقدار الانفاق على القوة العسكرية ومعرفة اين تذهب تلك النقود لا سيما وأن التكاليف المباشرة لانشاء وادامة وتوسيع القوة العسكرية مع الميزانية الاساسية لوزارة الدفاع "البتناغون" يسهل حسابها نسبيا. ويبيّن الكاتب: "انه عند اضافة تكلفة الحرب في افغانستان والعراق والتي وصلت الى 4.5 في المائة من مجمل الااقتصاد الأميركي او ما يعادل 622 بليون دولار أميركي كانفاق عسكري عام 2007، وعندما يجري توزيع هذا المبلغ على مستوى الفرد في الولايات المتحدة تبلغ حصة كل رجل وامرأة وطفل أميركي نحو 2065 دولارا". اي ما يزيد على ضعف ما يدفعه المواطن البريطاني والفرنسي واكثر من ثلاثة اضعاف ما يدفعه الشخص الياباني والالماني. علما بان الفجوة في الاإنفاق قد زادت في عام 2008 عن العام السابق ثم وصل المجموع الكلي المطلوب للإنفاق العسكري في عام 2009 حوالي 800 بليون دولار.
ويبيّن المؤلف في الفصل الثالث ان القوة العسكرية لأميركا تُكلّف كثيرا ومع ذلك يعتقد كثير من الأميركيين خطا ان تخفيض الميزانية العسكرية واجراء تغييرات شاملة على الاستراتيجية الأميركية الحالية يمكن ان ينتج عنها حالة قد تكون "اقل امنا" بالنسبة للشعب الأميركي. ويستدلّون على ذلك من تقديرات تقول إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد كلّفت الاقتصاد الأميركي 250 بليون دولار. ثم يستشهد الكاتب على ذلك بالقول: "طالبَ مرشحو الرئاسة الأميركية عام 2008 بما فيهم الرئيس الحالي باراك اوباما بزيادة عدد الافراد العاملين في الجيش ومشاة البحرية، وحسب وجهة نظر السناتور جون مكين فان تلك القوات يمكن زيادتها بنسبة 40 بالمائة عمّا كانت عليه قبل هجمات 11 سبتمبر 2001". ومع ذلك يتجاهل الكثير من الأميركيين ان زيادة النفقات على القوات التقليدية لها تاثير محدود ضد اعداء مجهولين كتنظيم القاعدة.
وفي الفصل الرابع يعتبر الكاتب "ان القوة العسكرية الأميركية بحد ذاتها مشكلة لانها تكلف كثيرا جدا. وتكلّف كثيرا جدا لانها كبيرة جدا". وهي بحق اكبر بكثير من حاجة الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها ومصالحها الحيوية. ومع ذلك، فان صنّاع القرار في الولايات المتحدة يستخدمون تلك القوة العسكرية كثيرا بسبب الاعتقاد الخاطئ بان الامن الأميركي يعتمد على الاستقرار العالمي الذي لا احد يستطيع الحفاظ عليه سوى الولايات المتحدة. ولكن اذا ما جرى التركيز بصورة دقيقة على الامن الغذائي الأميركي يتبين ان الولايات المتحدة تحتاج الى حجم اقل واستخدام اقل للقوة العسكرية الأميركية.
وحول مأزق السيطرة على القوة العسكرية يشرح المؤلف في الفصل الخامس هذا المفهوم من منطلق مقنع الى حد كبير وهو "ان استراتيجية الولايات المتحدة باستخدام القوة العسكرية الأميركية نيابةً عن الاخرين لا تشجعهم بالدفاع عن انفسهم لا بل وتجر الولايات المتحدة الى حروب خارجية" بسبب فرضية اعتبار ان الهجوم عليهم هو هجوم على الولايات المتحدة الأميركية نفسها. ومن هنا فان الولايات المتحدة لا تعتمد على تلك الدول في مسالة الدفاع عن انفسها من الاخطار الخارجية، وهذا الامر يظهر للعالم ان الولايات المتحدة امة اكثر من عادية لتحمل عبئا اكبر من امنها الداخلي. وبنفس الوقت ان الامم الاخرى هي اقل من عادية وغير معنية بامنها الداخلي.
وفي الفصل السادس يرى الكاتب ان تطويع مشكلة القوة امر لا بد منه ولا يكون ذلك التطويع من وجهة نظره بتخفيض نفقات القوة العسكرية الحالية الى النصف بين عشية وضحاها، ويستطرد قائلا: "عندما يتم بناء قوة عسكرية هائلة وتستمر الولايات المتحدة بالمحافظة عليها بهذا الحجم ثم يقوم اصحاب القرار السياسي بالبحث عن ادوار لها بهدف استخدامها، فان ذلك يعني ان الحصان امام العربة". وقد يكون من الافضل ان يركز النهج المتّخذ على العكس تماما فيما لو حددّت الولايات المتحدة اولوياتها من حيث الاهم والمهم. على ان تتناسب الخيارات العسكرية الأميركية مع القوة العسكرية المتوفرة من حيث الحجم الاجمالي للقوات بما فيها الاسلحة والمعدات المشتركة مثل الطائرات والافراد والسفن والغواصات وغير ذلك.
وفي خلاصة الكتاب يبيّن المؤلف انه: "من الممكن ان تحافظ الولايات المتحدة على موقعها في قمة النظام العالمي وحدها لمدّة طويلة جدا. مع ان التاريخ يقول غير ذلك". ومن حيث إن الولايات المتحدة ستبقى تكافح من اجل البقاء متقدّمة على الاخرين فان هذا الوضع يجعلها تعيش في حالة مستمرة من الخوف، وعليه لن يتوقف الحديث عن عدم الشعور بالامن. ومن هذا المنطلق ستستمر الولايات المتحدة بالانفاق اكثر فاكثر نتيجة لقناعة ذاتية بهدف البقاء من دون منافسة احد لها.
يتبين من خلال قراءة كتاب "مشكلة القوة" قراءة دقيقة ومتانية ان طروحات المؤلف قوية جدا ومنطقية للغاية، وتمس شعور ورغبات وتطلعات المواطن الأميركي، من حيث ان هنالك اولويات وبرامج مطلوبة داخليا اكثر من تجارة الحروب في الخارج (نيابة عن الاخرين) بقوات عسكرية تضخّمت لدرجة اصبحت عبئا ثقيلا على المواطنين ودافعي الضرائب الأميركيين، من دون مردود اقتصادي داخلي. كما ان استنتاجات المؤلف مقنعة بدرجة كبيرة وتتوافق مع ما يعتقده كثيرون من الأميركيين انفسهم، ومع كثير من الشعوب على الساحة العالمية – مع انها قد لا تروق لانظمة سياسية خارجية – ممن يرون ان الجندي الأميركي مكلّف بحراستهم وحماية كراسيهم و مكتسباتهم الشخصية.
يُذكر ان المؤلف اعتمد على مراجع عالمية دفاعية معروفة وموثوقة، ومصادر بحثية واكاديمية أميركية متعمدة. بالاضافة الى وثائق وارقام واحصائيات متعددة في مقارباته كافة وتناوله للحقائق والاحداث والاقوال والتصريحات.
الكاتب :
سلام الشماع/ صحيفة الغد الاردنية