تساؤلات حول عقود النفط العراقي
مصطفى العبيدي
صحيفة القدس العربي
مع اقتراب انتهاء فترة حكومة نوري المالكي في الأول من عام 2010، تتصاعد جهودها حالياُ وبشكل محموم لعقد العديد من الاتفاقيات مع الشركات النفطية الكبرى في العالم لاستثمار حقول النفط العملاقة في العراق متجاهلة جميع الانتقادات والاعتراضات على هذا التسرع والدوافع من ورائه، والذي سيؤدي الى إعادة الشركات النفطية الاحتكارية الى العراق بعد طردها منه عقب تأميم النفط العراقي عام 1972. وقد توجت الحكومة مساعيها حتى الآن في توقيع عقود مع شركتي BP البريطانية وCNBC الصينية لتطوير حقل الرميلة النفطي العملاق، وعقداُ آخر مع ائتلاف شركات نفطية تقوده شركتا أكسون وشل العالميتان لتطوير حقل غرب القرنة، وجميع هذه الحقول الغنية تقع في البصرة جنوب العراق، إضافة الى مواصلة عرض المزيد من الحقول الرئيسية للاستثمار الأجنبي. علما بأن واردات النفط العراقي منذ احتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003 تجاوزت مبلغ 400 مليار دولار وهو ما يسقط المبررات حول الحاجة للتعاقد مع شركات النفط العالمية لزيادة الإنتاج النفطي ومضاعفة الواردات للنهوض بالاقتصاد العراقي المنهار.
وتأتي محاولات انجاز هذه العقود في الوقت الذي تتصاعد فيه الأصوات المعارضة لتسرع الحكومة الحالية في توقيع العقود النفطية في أواخر فترتها التي تنتهي في بداية عام 2010، وقبل إصدار مجلس النواب العراقي قانون النفط والغاز المعروض عليه منذ سنوات والذي ينظم أسس استخراج واستثمار الثروة النفطية، حيث تعمدت الأحزاب والقوى المؤثرة فيه عرقلة صدوره حتى الآن دون مراعاة لمصالح الشعب العراقي.
وأثار هذا التسرع تساؤلات وشكوك حقيقية حول تفرد الحكومة في تقرير مصير الثروة النفطية لوحدها دون الرجوع الى مجلس النواب أو حتى الاستماع الى نصائح القوى الوطنية والخبرات العراقية المختصة التي عبرت عن مخاوفها من عودة نفوذ شركات النفط المتعددة الجنسيات الى العراق وتحكمها بمصيره كما كانت تفعل قبل قرار تأميم النفط عام 1972. وفي هذا الإطار فقد وجهت نخبة من خبراء الاقتصاد والنفط العراقيين رسالة الى مجلس النواب عقب ندوة عقدوها في عمان في شباط/فبراير 2007 طالبوا فيها عدم التسرع في توقيع عقود النفط مع الشركات العالمية بسبب الظروف غير المستقرة في العراق حالياُ ولوجود إشكاليات دستورية حول صلاحيات إدارة الثروة النفطية بين المركز والأقاليم، كما أكدوا على أهمية الاستعانة بالخبرات العراقية في إدارة النفط ورفض أخذ قروض كبيرة من شركات النفط الأجنبية بحجة الاستثمار، وتجنب الدخول في التزامات طويلة مع تلك الشركات، إضافة الى وجود العديد من الثغرات والمآخذ القانونية والدستورية.
وتثار تساؤلات أخرى حول دوافع الإسراع في توقيع عقود النفط مع الشركات الاحتكارية العالمية في الوقت الذي انتشر فيه الفساد المالي والإداري في العراق الذي احتل منذ عدة سنوات المرتبة الثالثة بين دول العالم في الفساد حسب تقييم منظمة الشفافية العالمية التي أعلنت في 31/3/2009 'أن عملية إعادة الإعمار في العراق قد تكون أكبر عملية فساد في التاريخ بسبب المستثمرين ورجال الأعمال الذين جلبهم الاحتلال، وهو ما شجع المسؤولين العراقيين على نهب المال العام'. وكان تقرير ديوان المحاسبة في الكونغرس الأمريكي (GAO) قد أشار الى أن إنتاج النفط العراقي غير محدد بسبب إصرار الجهات العراقية المسؤولة على رفض تركيب أجهزة القياس لمعرفة عائدات النفط العراقي والتي يجري حسابها بشكل تقديري يقف عند حدود 713 مليون برميل حسب معطيات عامي 2006 و2007.
ومن ناحية أخرى، فإن الاحتلال وضمن برنامجه لنشر الفوضى في العراق حرص على زرع الكثير من الألغام والمشاكل التي تسهل إبقاء العراق ضعيفا لكي يسهل نهب ثرواته وفي مقدمتها النفط، لذا اهتمت إدارة الاحتلال في إيجاد دستور غامض متناقض وخاصة فيما يتعلق بإدارة الثروة النفطية، حيث تشير بعض فقرات الدستور الحالي مثل المواد 110 و112 و115 الخاصة بصلاحيات المركز والأقاليم الى تضارب في طريقة إدارة النفط بين الطرفين، وهو ما أثار مشاكل وخلافات حادة منذ سنوات حول شرعية العقود التي وقعتها حكومة الإقليم الكردي مع شركات النفط العالمية دون الرجوع الى المركز الذي طعن بشرعية تلك العقود وخاصة بعد ظهور فضائح عن تورط مسؤولين أكراد في قضايا فساد في تلك العقود.
لقد كشفت المساعي المحمومة للولايات المتحدة وبريطانيا للاستحواذ على النفط العراقي واحتياطياته الهائلة ونجاحها حتى الآن في الحصول على حصة الأسد في عقود استثمار النفط بما يضمن لهما السيطرة عليه لعقود قادمة، جانبا من أهداف غزو العراق الذي حاولت إنكاره دائما، في الوقت الذي تم فيه تغييب إرادة الشعب العراقي ضمن معمعة الفوضى العارمة التي يشهدها البلد في ظل الاحتلال ومشاريعه.
الكاتب :
مصطفى العبيدي/ صحيفة القدس العربي