رأي القادسيتيين

:: رأي القادسيتيين

ملف حملة مقاطعة ايران

ملف حملة مقاطعة ايران



البرنامج السياسي للبعث والمقاومة


القائمة البريدية



الأحداث

اذار 2010

M T W T F S S
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31  
السابقالتالي


  
  

احصائيات

  • عدد الأخبار: 3624
  • الأقسام الرئيسية: 15

  • المتواجدون الأن

    يتصفح الموقع حاليا 3 زائر

    أكبر تواجد كان 45 في :
    10-Sep-2009 الساعة : 14:55


    البحث



    الأخبار    بحوث ودراسات    رفعت رستم الضيقة // ولايـة الفقيـه: أزمـة الشرعيـة المزدوجـة (1ـ 2)

    رفعت رستم الضيقة // ولايـة الفقيـه: أزمـة الشرعيـة المزدوجـة (1ـ 2)

    25-01-2010

    بسم الله الرحمن الرحيم

     

    ولايـة الفقيـه: أزمـة الشرعيـة المزدوجـة (1ـ 2)

     

     

     

     

    مركز القادسيتيين للدراسات والبحوث القومية

     

    رفعت رستم الضيقة

     

    المقالة التالية جزء من دراسة أطول حول الفقه السياسي الشيعي بعنوان «الغيبة والوعي التاريخي الشيعي» لم تنشر بعد. فهي ليست تعليقاً مباشراً على ما يجري في إيران اليوم على أثر الانتخابات الرئاسية. أنشرها اليوم كمساهمة نظرية لربط ما يحدث في الجمهورية الإسلامية اليوم بسياق تاريخي أوسع. المقالة منشورة هنا في صيغتها الأصلية مع بعض التعديلات الطفيفة المتعلقة بترقيم المراجع. 

    تواجه مؤسسة ولاية الفقيه اليوم أزمة شرعية مزدوجة كامنة في البنية الدينية ـ التاريخية لموقع نظرية ولاية الفقيه المطلقة في التراث الشيعي التقليدي من جهة، وموقعها من الجذور التاريخية والسياسية للثورة الإيرانية كحدث تاريخي جماعي من جهة أخرى. إن هذين العنصرين يشكلان معاً كابحاً جدياً يعيق ويقيد استمرارية ممارسة سياسة التماهي الشفاف بين مؤسسة ولاية الفقيه والتراث التقليدي الشيعي من جهة وبينها وبين الثورة الإيرانية كحدث جماعي مؤسس من جهة ثانية. ولكن قبل مناقشة هاتين النقطتين لعله من المفيد إلقاء نظرة تاريخية سريعة مقارنة بين مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا في التجربة التاريخية الماركسية وبين نظرية ولاية الفقيه في التجربة التاريخية الشيعية. فعلى الرغم من تشابه المنطق الداخلي لكلتا النظريتين ـ من حيث تماهي ديكتاتورية البروليتاريا مع المجتمع الاشتراكي وتماهي ولاية الفقيه مع المجتمع الإسلامي كتعبير شفاف عن هذا المجتمع ـ إلا أن هذا المنطق الداخلي لا يتحرك في فضاء تاريخي متشابه. إن شرعية ديكتاتورية البروليتاريا مستمدة تاريخياً من الثورة الاشتراكية كفعل ثوري يستمد شرعيته من ذاته كانقطاع تاريخي مع ما قبله، فشرعية الثورة البروليتارية مستمدة من ذاتها كحدث تاريخي مؤسس لشرعيته. فعندما قامت الثورة البروليتارية البولشفية في روسيا عام 1917 لم يكن عمر التجربة الماركسية التاريخية يزيد على حوالى نصف قرن من الزمن، وهي تجربة تاريخية قصيرة كانت لا تزال في طور الاختبار التاريخي الأولي. فهي لم تكن تشكل تراثاً جماعياً تاريخياً متراكماً من التقاليد الأخلاقية والسياسية الضابطة لمنطق السلطة وحدودها. 

    انطلاقاً من عدم وجود تراث تاريخي ماركسي كهذا بتقاليده ومؤسساته التاريخية الجماعية كان من الممكن تاريخياً أن تؤسس الثورة الاشتراكية الأولى في التاريخ شرعيتها على قاعدة رؤيتها الثورية اليوتوبية القائمة على التحويل الجذري للمجتمع القائم من أجل إقامة مجتمع المستقبل الاشتراكي على أنقاض المجتمع القائم. إن ديكتاتورية البروليتاريا تستمد شرعيتها من التماهي الكامل والشفاف مع هذا المجتمع المستقبلي المثالي دون الحاجة إلى الارتكاز إلى أية مرجعية شرعية تاريخية من الماضي. 

    إن عدم وجود مرجعية تاريخية كهذه ضابطة لحدود سلطة الدولة الاشتراكية كان معناه انعدام أية ضمانات جماعية من شأنها كبح جماح العنف الكامن في منطق ديكتاتورية البروليتاريا المندفع إلى إلغاء التمايز بين السلطة والمجتمع باسم التماهي الشفاف مع المجتمع المثالي القادم. لذلك فإن شرعية سلطة ديكتاتورية البروليتاريا لا تنبع من تمثيلها للمجتمع التاريخي القائم بحاضره وتراثه بل من تماهيها مع تصور مجتمع مثالي قادم تصنعه على صورتها ومثالها دون الرجوع إلى أي نموذج شرعي تاريخي سابق. لشرعية ولاية الفقيه سياق تاريخي مختلف، فهي تبني شرعيتها على أساس التواصل مع إرث ديني تاريخي جماعي ليس من السهل تجاوزه واختزاله إلى مجرد أيديولوجيا للسلطة. فإذا كان من السهل نسبياً على الماركسية اللينينية المتفلتة من أي تراث جماعي ـ تاريخي أن تحول مبدأ ديكتاتورية البروليتاريا إلى أيديولوجية للقيمومة المطلقة على المجتمع. فشرعية ولاية الفقيه تبقى مشروطة بالانتماء إلى التراث الإسلامي الشيعي وما يفرضه هذا الانتماء من حدود إزاء اختزال الإرث الجماعي الشيعي إلى مجرد أيديولوجيا للسلطة باسم التماهي بين هذه السلطة والإسلام. 

    لقد واجهت شرعية ولاية الفقيه تحدي هذا التراث منذ البداية. فهي لم تنجح في الحصول على إجماع مراجع التقليد الكبار في إضفاء الشرعية الدينية الكاملة على مبدأ ولاية الفقيه. فقد تراوحت مواقف هؤلاء المراجع، من ولاية الفقيه بين المعارضة العلنية من آية الله شريعتمداري والمعارضة الصامتة. كما كانت الحال مع آيات الله الخوئي والكلبيكاني وميلاني ومراشي(1) على سبيل المثال لا الحصر. وإذا كان السيد الخميني قد نجح في تأمين غطاء شرعي لحكومة ولاية الفقيه لكن كان ذلك بفضل زخم الثورة الإيرانية في سنواتها الأولى ومكانته كقائد سياسي ـ ديني للثورة. فإن هذا الغطاء الشرعي لم يرق أبداً إلى مرتبة الشرعية الدينية الكاملة لولاية الفقيه، حيث بقيت هذه الشرعية شرعية عملية براغماتية أكثر ما هي شرعية دينية مستتبة. وقد بدا هذا واضحاً بعد وفاة السيد الخميني في حزيران من عام 1989 وتعيين السيد علي خامنئي خلفاً له حيث تم إسقاط شرط المرجعية الدينية عن منصب قائد الثورة حسب التعديل الدستوري لسنة 1989. وهكذا فقد تم الفصل رسمياً بين المرجعية الدينية والمرجعية السياسية في مؤسسة ولاية الفقيه تحت ضغط مقاومة مؤسسة مرجعية التقليد الأصولية التقليدية. فعلى عكس ما توقعه البعض من أن هذه المؤسسة في طريقها إلى الزوال بعد إقامة الجمهورية الإسلامية وصعود نجم ولاية الفقيه فقد أكدت هذه المؤسسة مقاومتها للتحول من مؤسسة دينية مستقلة إلى مجرد جهاز أيديولوجي ملحق بالدولة. 

    إن حجب الشرعية الدينية الشاملة عن ولاية الفقيه يؤدي بلا شك إلى إضعاف مبدأ القيمومة الكاملة لهذه المؤسسة على المجتمع السياسي والمدني الإيراني كما صاغه السيد الخميني في محاضراته وكتاباته ومارسه عملياً كقائد أعلى للجمهورية الإسلامية. 

    إن الإصرار على المضي في ممارسة هذه السياسة من قبل مؤسسة ولاية الفقيه الحالية على الرغم من عدم توافر الإجماع حول شرعيتها الدينية سوف يؤدي إلى إضعاف مصداقيتها الدينية والسياسية معاً. لذلك فإن الدفع بمبدأ القيمومة المطلقة لولاية الفقيه على المجتمع إلى نهاياته المنطقية في الممارسة التاريخية للسلطة من شأنه أن يزعزع شرعية هذه السلطة ليس من الناحية الدينية فقط بل من الناحية السياسية التاريخية أيضاً. إذ انه على الرغم من محاولة السيد الخميني إرساء الشرعية الدينية لحكومة ولاية الفقيه في الوراثة المباشرة لسلطة الرسول والأئمة في إقامة الحكومة الإسلامية، إلا أنه ربط تاريخياً نجاح هذه الحكومة باستمرارية التأييد الشعبي لها. 

    ولقد جاء الدستور الإيراني ليكرس رؤية الخميني هذه في الربط بين شرعية الحكومة الإسلامية والدعم الشعبي لهذه الحكومة. فالمادة الخامسة من دستور عام 1989 تنص على أن من شروط تنصيب قائد الأمة اعتراف وقبول غالبية الشعب به. كما تنص المادة السادسة في الدستور نفسه على أن إدارة شؤون الجمهورية الإسلامية في إيران ترتكز على مبدأ الاقتراع العام بما في ذلك انتخاب رئيس الجمهورية ومجلس الشورى(2). وهكذا فإن الشرعية الدستورية للجمهورية الإسلامية في إيران ترتكز على شرعية مزدوجة يتمثل مصدرها الأول في ولاية الفقيه بينما يتمثل مصدرها الثاني في الإرادة السياسية للغالبية الشعبية. 

    إن هذه الهيكلية الدستورية لشرعية الجمهورية الإسلامية تشكل في الواقع تكريساً تاريخياً لميزان القوى الاجتماعية التي صنعت الثورة الإيرانية كحدث تاريخي مؤسس. فإذا كان من المسلم به أن السيد الخميني لعب دوراً حاسماً في أخذ المبادرة السياسية في تنظيم وقيادة الثورة ضد الشاه فمن المسلم به أيضاً أن استجابة غالبية الشعب الإيراني لتلك المبادرة وهبته الجماعية شبه الأسطورية في مواجهة ذلك النظام هي ما جعلت في نهاية المطاف قيام الثورة كحدث تاريخي أمراً ممكناً. فالأمر الذي لا يمكن لأحد تجاهله هنا هو أن الاعتراف بالإرادة الشعبية كمصدر أساسي من مصادر شرعية الجمهورية الإسلامية ليس منحة معطاة للشعب الإيراني بل هو حق اكتسبه هذا الشعب من خلال شراكته الكاملة في صنع الثورة وإقامة الجمهورية الإسلامية. لذلك فإن استمرارية واستقرار شرعية الجمهورية الإسلامية يتوقف في النهاية على حفظ التوازن بين مصدري هذه الشرعية: مؤسسة ولاية الفقيه من جهة والإرادة الشعبية من جهة أخرى. إن ما يهدد نجاح هذه المعادلة التاريخية هو مبدأ القيمومة المطلقة لمؤسسة ولاية الفقيه في عدم اعترافها بالشراكة الكاملة للمؤسسات السياسية والمدنية المعبرة عن الإرادة الشعبية لغالبية المجتمع الإيراني. فعلى الرغم من حرية الحركة النسبية المعطاة لهذه المؤسسات في الممارسة السياسية الإيرانية إلا أنها تبقى مؤسسات مقننة الحريات وموضوعة تحت الوصاية المباشرة لمؤسسة ولاية الفقيه. 

    إن هذه الوضعية لا تربك المؤسسات المنتخبة مباشرةً من الشعب فقط بل إنها تصيب مؤسسة ولاية الفقيه بالارتباك بوضع شرعيتها الشعبية على المحك، إذا ما تمادت في سياستها التعسفية تجاه المؤسسات السياسية والمدنية والدينية. إن ارتباك شرعية مؤسسة ولاية الفقيه هنا يعود إلى التركيبة المتناقضة أو غير المتسقة لشرعيتها الدينية من جهة ولشرعيتها السياسية التاريخية من جهة أخرى. إن شرعيتها الدينية تأتي من كونها حكومة إلهية مستمدة مباشرة من الله بحكم وراثتها المباشرة لسلطة النبي والأئمة في إقامة الحكومة الإسلامية كما رأينا سابقاً. إن هذه الشرعية الإلهية تحرر حكومة ولاية الفقيه نظرياً على الأقل من شرط التقيد بالإرادة الشعبية كمصدر أساسي لها: 

    «فالفقهاء اليوم هم الحجة على الناس، كما كان الرسول (ص) حجة الله عليهم، وكل ما كان أناطه بالنبي (ص) فقد أناطه الأئمة بالفقهاء من بعدهم، فهم المرجع في جميع الأمور والمشكلات والمعضلات، وإليهم قد فوضت الحكومة وولاية الناس وسياستهم والجباية والإنفاق، وكل من يتخلف عن طاعتهم، فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك».3 

    من الواضح حسب كلام السيد الخميني هنا أن شرعية حكومة ولاية الفقيه كحكومة إلهية ليست مشروطة بموافقة الناس عليها الذين لا سبيل لهم سوى الطاعة والولاء لهذه الحكومة. فلا مجال هنا للكلام عن الإرادة الشعبية كمكون أساسي من مكونات الشرعية الدينية لحكومة ولاية الفقيه. بل إن طاعة الناس لهذه الحكومة أمر أوجبه الشرع ولا خيار لهم فيه. إن هذه الحكومة تحكم بموجب تفويض إلهي، وما التفويض الشعبي سوى تفويض مكمل ولازم للتفويض الإلهي. إن هذا التفويض الإلهي لولاية الفقيه هو ما يكفل لها حق القيمومة المطلقة على المجتمع بأسره كما شرحنا سابقاً. هذه القيمومة القائمة على التماهي الكامل والشفاف بين حكومة ولاية الفقيه والإسلام كشريعة إلهية مطلقة. أمام هذه القيمومة المطلقة لولاية الفقيه على المجتمع تبقى الإرادة الشعبية إرادة قاصرة عن بلوغ سن الرشد مسلوبة الحق في أن تكون شريكا كاملا في بناء الجمهورية الإسلامية. بغض النظر عن المنهجية الفقهية / التيولوجية التي استخدمها السيد الخميني لإرساء نظرية التفويض الإلهي لولاية الفقيه وهي أشبه ما تكون بمعادلة رياضية مجردة لا تاريخية، فإنها لا تتفق تماماً مع المصدر الثاني لشرعية ولاية الفقيه ألا وهي الشرعية السياسية التاريخية لهذه الحكومة القائمة على المشاركة الكاملة للشعب في صناعة الثورة الإسلامية كحدث تاريخي سياسي جماعي. إن شرعية حكومة ولاية الفقيه السياسية التاريخية إنما تقوم على القبول الشعبي بها كقيادة تاريخية سياسية ذات لغة إسلامية وقفت مع غالبية الشعب الإيراني للتحرر من نظام الشاه والهيمنة الخارجية الأميركية. 

    إن هذه الإرادة الجماعية التي صنعت الثورة إنما قبلت بالسيد الخميني قائداً روحياً سياسياً لهذه الثورة ليس من منطلق القبول بنظريته في التفويض الإلهي بل من موقفه التاريخي السياسي في الوقوف مع الشعب ضد نظام الشاه وليس من منطلق كونه قيماً مطلقاً على هذا الشعب. لذلك يمكن القول إن الشرعية التاريخية الحقيقية لولاية الفقيه تكمن في وقوفها مع الجماعة ضد الدولة المتعسفة. فولاء الجماعة لهذا الموقف يبقى ولاءً اختياريا مشروطا باستمرارية هذا الموقف حتى بعد قيام الجمهورية الإسلامية. تشكل هذه العلاقة استمرارية تاريخية لعلاقة الجماعة الشيعية بعلمائها ومراجعها كدروع واقية من تسلط الدولة على الجماعة في زمن الغيبة. فالذي يتم تعطيله في زمن الغيبة ليس «أحكام الإسلام» وتدبير أمور المسلمين كما يقول السيد الخميني في «الحكومة الإسلامية» (4)، بل تعطيل التسليم بالشرعية الدينية الكاملة للدولة على هذه الجماعة. إن شرعية هؤلاء المراجع قامت دائما على أساس الالتحام مع الجماعة واستقلاليتهم عن الدولة بما في ذلك الدولة الشيعية الصفوية في إيران. المراجع الشيعية كانوا قادرين على القيام بهذا الدور بفضل أمانتهم على غيبة الإمام التي ضمنت لهم عدم التماهي مع الدولة بما هي دولة غاصبة من حيث التكوين، والبقاء خارج دورتها الداخلية كي يتسنى لهم مراقبتها ومحاسبتها من موقع الأمانة على الغيبة. فإذا تسنم هؤلاء المراجع ناصية الدولة الغاصبة مباشرة أو غير مباشر فهم ينقضون بذلك أمانتهم على الغيبة ويتحولون أنفسهم إلى غاصبين لحق الإمام الغائب من خلال ادعاء تمثيله في إقامة دولة إسلامية قسرية وكاملة الشرعية في زمن الغيبة. 

    للبحث تتمة 

     

    مراجع 

    Heinz Halm, Shi’a Islam, Markus Wiener Publishers, Princeton, 1997, pp: 121-122 

    2) إن التعديل الدستوري لعام 1989 ألغى المادة الخامسة من دستور 1979 التي نصت على الانتخاب الشعبي المباشر 

    لقائد الثورة وأناط حق انتخاب هذا الأخير بمجلس الخبراء المنتخب مباشرة بالاقتراع الشعبي. أنظر المرجع السابق 

    ص 154 

    3) آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، دار الطليعة، بيروت 1979 ص 80 

    4) المرجع السابق، ص 48 

     

     

     

     

     

    ولاية الفقيه: أزمة الشرعية المزدوجة (2)

     

    ليست مقاربتنا لمسألة علاقة الدولة بالغيبة مقاربة منطقية شكلية صورية مجردة. بل هي مقاربة تاريخية تستند إلى التجربة التاريخية للدولة الإسلامية والموقع التاريخي للجماعة الشيعية في هذه التجربة. فالغيبة لم تأت من فراغ تاريخي، بل هي أتت كمحصلة لتجربة تاريخية شيعية مع الدولة وضع الأئمة الشيعة خلالها أنفسهم وأتباعهم خارج منطق الدولة كأفق أسمى للسياسة. لقد أتت الغيبة لتكرس هذا الموقف التاريخي لأئمة الشيعة وتحوله إلى نقض دائم للدولة كمؤسسة قهرية من حيث التكوين، يمكن التعامل معها سلبا أم إيجابا كما تقتضي مصلحة الجماعة، ولكن لا يمكن التماهي معها كسلطة شرعية تمثل الجماعة. 

    بين خيار الانخراط في مشروع إقامة الدولة وخيار الوقوف على رأس الجماعة، اختار أئمة الشيعة البقاء مع الجماعة و الإنكار على الدولة شرعيتها الدينية الكاملة. في غياب هذه الشرعية الدينية الكاملة للدولة تصبح شرعيتها مشروطة بسلوكها العملي الإجرائي في ممارسة سلطتها الإدارية على الجماعة. وليس في الغيبة ما يمنع الجماعة من الاعتراض والثورة على السلطة القائمة دفاعا عن حقوقها كما حصل مرارا و تكرارا في التاريخ الشيعي. فالغيبة لم تلغ كربلاء، بل كرستها كلحظة ثورية كامنة في الضمير الجماعي الشيعي كابحة لتطاول الدولة على الجماعة من خلال تجريد هذه الدولة من أي صفة تمثيلية متعالية على الجماعة. أي ان الغيبة أحالت نهائياً كل دولة، أكانت إسلامية أم غير إسلامية، إلى كيان سياسي زمني غير متعال. فإذا حدث وتسلم أحد العلماء مقاليد الدولة فإن شرعيته لا تعدو كونها شرعية زمنية خاضعة كغيرها من السلطات الزمنية لمحاسبة الناس بمن فيهم العلماء الآخرين. إن أية محاولة من هذه الدولة لاختراق سقف الغيبة والتخفف من ثقل الأمانة التي تركتها، وهي أمانة شديدة الوقع على أية دولة، من شأنه أن يضع هذه الدولة في مواجهة مباشرة مع الإمام الغائب لأنها تحكم باسمه ولكن بدون تفويض مباشر منه. 

    كان هذا موقف كبار مراجع الشيعة من دولة ولاية الفقيه منذ بدايتها من أمثال شريعتمداري والخوئي وغيرهما في إيران والعراق ولبنان. يمكن القول إن نقطة الخلاف الأساسية بين هؤلاء المراجع والسيد الخميني لم تكن الإنكار عليه حقه في إقامة الجمهورية الإسلامية بقدر ما كانت معارضته في خرقه إرث الغيبة من خلال إسباغه على الجمهورية الإسلامية شرعية الدولة الإسلامية المكتملة النصاب تماما كدولة الرسول (ص) ودولة الإمام علي(ع). 

    لا ينبغي علينا هنا الوقوف عند هذه المعارضة كشكل من أشكال المنافسة التقليدية بين العلماء حتى ولو صح ذلك، وهو أمر وارد. ولا يتعلق الأمر هنا بشخصية متسلطة وغير ديموقراطية تميل إلى التحكم والاستئثار بالسلطة من جهة، وبشخصيات معتدلة وأكثر ديموقراطية من جهة أخرى.

    إن العدائية العمياء للقوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، للجمهورية الإسلامية وللسيد الخميني خاصة، إنما هي عدائية متأصلة في القصور الذاتي الغربي للاعتراف بأي لغة سياسية جديدة مصطلحاتها غير مستمدة من القاموس الأيديولوجي الغربي ذاته. لقد أطلق السيد الخميني لغة إسلامية ثورية جديدة ساهمت في إطلاق وتحريك قوى جماعية مهمشة تاريخيا، انطلقت من عقالها لتصنع حدثا تاريخيا فريدا في التاريخ الإسلامي الحديث. هذه هي «خطيئة الخميني الأصلية» من المنظور الغربي المهيمن. 

    إن إطلاق هذه الذاتية الإسلامية الجديدة كخطاب عالمي غير آت من «عالمية» الغرب هو ما أرعب الغرب المهيمن، كما يلحظ بوبي السيد(5). 

    الذي يزعج الغرب في هذا الخطاب ليس «ظلاميته القروسطية» وعدم ديموقراطيته، بل إسلاميته كخطاب مغاير. والذي يزعج الغرب ليس فقدان الديموقراطية في الجمهورية الإسلامية، بل إسلامية هذه الديموقراطية. فالديموقراطية بمفهومها الشكلي الغربي لا تشكل تحديا حقيقيا لمؤسسة ولاية الفقيه، فهي قادرة، كما أثبتت تجربة الرئيس خاتمي والحركة الإصلاحية البرلمانية، على التعايش مع هذه الديموقراطية وتطويعها بشكل أو بآخر. 

    إن ما لا تستطيع مؤسسة ولاية الفقيه التعايش معه هو تجذر الديموقراطية الإسلامية الثورية في الموروث الجماعي الشيعي ذاته. هذا الموروث الجماعي الذي لا يطمئن إلى اختزال الإسلام إلى مجرد أيديولوجيا للدولة، فكيف بك إذا كانت هذه الدولة تدعي لنفسها صفة القداسة وتمثيل الإمام؟ لذلك فإن أي تحد حقيقي لشرعية مؤسسة ولاية الفقيه لن يكون على أساس مرجعية الديموقراطية بمفهومها الشكلي الغربي وحده، بل لا بد من التحام هذه الديموقراطية مع المرجعية الفقهية التقليدية الشيعية ذاتها كمرجعية متلاحمة مع الجماعة ممانعة للتماهي مع الدولة أمانة منها على غيبة الإمام التي تلزم هذا الالتحام بالجماعة في وجه الدولة. واليوم وبعد مرور ثلاثة عقود على التجربة السياسية الدستورية للجمهورية الإسلامية في ايران، التي تبقى بلا شك التجربة التاريخية الرائدة الأولى في العصر الحديث كحكومة إسلامية قائمة على المشاركة الشعبية الجماعية في الحياة السياسية الإيرانية برغم الوصاية والتقنين من أعلى، يمكن القول إن شرعية ولاية الفقيه ما زالت تبدو شرعية ملتبسة موزعة بين أمانتها لإرثها الجماعي الثوري كما مارسته في بدايات الثورة من خلال قيادة الجماعة في صنع الحدث الثوري الجماعي ضد الدولة، وهو موقف لا يتناقض مع منطق الغيبة كما أسلفنا، هذا من جهة، وبين تماهيها الكامل مع الدولة كمؤسسة متعالية على الجماعة ووصية عليها، من جهة أخرى. وهكذا فإن تغليب منطق الدولة على منطق الجماعة يضع ولاية الفقيه في مواجهة مباشرة مع الإمام الغائب ومع الجماعة. لأن الأمانة على الغيبة وضعت العلماء دائما في موقع التماهي مع الجماعة في وجه الدولة أمانة منهم على نهج الأئمة، هذا النهج الذي كرسته الغيبة تكريساً دائماً لا لبس فيه. بكلام آخر هناك استحالة شرعية لأي مشروع تاريخي إسلامي شيعي قائم على التماهي الكامل بين الجماعة والدولة في زمن الغيبة. إن التباس شرعية ولاية الفقيه اليوم يتمثل في محاولة تجسيدها الجمع بين الجماعة والدولة في جسم واحد وهو أمر يستحيل استمراره تاريخيا وشرعيا. لقد كان تعطيل مفعول غيبة الإمام في التاريخ أحد المرتكزات الأساسية لتثبيت شرعية ولاية الفقيه. ويبدو الآن أن هذا التعطيل بالذات هو الذي سوف يؤدي في النهاية إلى تعطيل شرعية هذه الولاية. 

    إن ما يمكن تسميته بالأصولية الشيعية الجديدة (وهي غير الأصولية الإسلامية السلفية بالمعنى الشائع اليوم) المعبر عنها بولاية الفقيه المطلقة، باختراقها سقف الغيبة، أو ما يمكن تسميته باللحظة الإخبارية الكامنة في المدرسة الأصولية التقليدية، ساهمت من حيث تقصد أو لا تقصد في إعادة تظهير معنى الغيبة في سياق تاريخي معاصر وملموس كحدٍ شرعي ضروري مقيد للسلطة الدينية السياسية المطلقة على المجتمع وبالتالي كضمانة تيولوجية جذرية ضد الاستحضار الكلي للمقدس في التاريخ متمثلا بالدولة «الإلهية» المتعالية على المجتمع السياسي والمتماهية مع ذاتها. وما ينطوي عليه هذا التماهي من خطر إلغاء دور الجماعة كمجتمع سياسي متحرك يشكل ضمانة شرعية ـ تاريخية حيوية للجمهورية الإسلامية وتحويله إلى حقل سياسي محاصر وملحق بدولة غاصبة لحق الإمام وحق الجماعة معاً…

     

    [ محاضر الدراسات العربية في جامعة ميشيغان ـ ديربورن ـ الولايات المتحدة الأميركية

     

     



    الكاتب : رفعت رستم الضيقة
    نسخة للطباعة تقييم ارسال لصديق


    اخر الأخبار

  • الناصر خشيني // الموقف الرسمي للشارع العربي من القضية الفلسطينية
  • الهيئة الشرعية لجيش المجاهدين // حكم الانتخابات التشريعية في العراق لعام 2010
  • صلاح المختار // رسائل التبصير : كشف ألغام التحرير ( الرسالة الرابعة )
  • صلاح المختار // رسائل التبصير: كشف ألغام التحرير ( الرسالة الرابعة )
  • صلاح المختار // رسائل التبصير : كشف ألغام التحرير 1 ( الرسالة الرابعة )
  • د.مهند العزاوي // ثقب العراق الأسود و النظام الكليبتوقراطي الطائفي
  • رفعت رستم الضيقة // ولايـة الفقيـه: أزمـة الشرعيـة المزدوجـة (1ـ 2)
  • مركز صقر // اوباما عام على التحديات والصراع السياسي
  • علي الكاش // التكفير بين مطرقة العريفي وسندان السيستاني
  • علي الكاش // "سيصبح العراق أكثر دولة بيعت على سطح الأرض"
  • صلاح المختار/المدافعون عن الاستعمار الايراني : من هم ؟ 14 ب 14
  • صلاح المختار /المدافعون عن الاستعمار الايراني : من هم ؟ 14 أ 14
  • صلاح المختار /المدافعون عن الاستعمار الايراني : من هم ؟ 13 – 14
  • نزار السامرائي : الفكة العراقية وتفكيك الأطماع الإيرانية
  • صلاح المختار/المدافعون عن الاستعمار الايراني : من هم ؟ 12 – 14
  • صلاح المختار/المدافعون عن الاستعمار الايراني : من هم ؟ 11 – 14
  • صلاح المختار/المدافعون عن الاستعمار الايراني : من هم ؟ 10 – 14
  • صلاح المختار/المدافعون عن الاستعمار الايراني : من هم ؟ 9 – 14
  • الدكتور مهند العزاوي // أقطاع وفساد سياسي وإرهاب مليشياوي وبلد مستباح
  • صلاح المختار /المدافعون عن الاستعمار الايراني : من هم ؟ 8 – 14

  • اخبار مختارة

  • ودود فوزي شمس الدين // الانتخابات والحرمان من الحقوق الأساسية
  • نص الخطاب التأريخي المكتوب للقائد المؤمن المجاهد القائد الأعلى للجهاد والتحرير
  • نص الخطاب التأريخي للقائد المؤمن المجاهد القائد الأعلى للجهاد والتحرير
  • تصريح للدكتور كنعان الناطق الرسمي باسم القيادة العليا للجهاد والتحرير تعقيبا على التصريحات التي أدلى بها أمين عام منظمة (المجلس السياسي للمقاومة العراقية) بشان إجراء مفاوضات مباشرة مع العدو الامريكي المحتل
  • الممثل الرسمي للبعث في العراق // المقاومة لن تتفاوض مع المحتل إلا أذا اعترف بحقوق الشعب والوطن ومن تفاوض مع المحتلين لا يمثل المقاومة ولا يحق لأي جهة التنازل عن الثوابت الوطنية
  • الدكتور خضير المرشدي : ليس أمام العراقيين إلا التمسك بخيار المقاومة لطرد الاحتلال وإفشال مشروعه
  • في رسالة جوابية بالغة الأهمية الإستراتيجية وجهها القائد المظفر عزت الدوري الى رئيس تحرير ''المجد''·· سنلتقي قريباً على ارض العراق المحررة ، فالنصر قاب قوسين أو أدنى ، والجهد منصب الآن على ترتيبات ما بعد التحرير
  • القيادة العليا للجهاد والتحرير // نصَّ الخطاب التاريخي المكتوب للقائد المؤمن المجاهد المعتزّ بالله المهيب الركن عزة إبراهيم الدوري القائد الأعلى للجهاد والتحرير
  • الدكتور خضير المرشدى : عزة الدوري بخير و يتمتع بصحة جيدة
  • الممثل الرسمي للبعث في العراق .. ينفي نفيا قاطعا كل ما جاء في جريدة النهار الجزائرية من حديث منسوب للرفيق المجاهد عزة إبراهيم الدوري
  • المتحدث الرسمي لحزب البعث العربي الاشتراكي في حوار مع صحيفة الوطن
  • عهد إلى شيخ الجهاد والمجاهدين القائد الأمين المجاهد عزة الدوري المحترم

  • الاستفتاءات

    لماذا ترفض المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة
    لعدم قناعتك بالعملية السياسية
    لعدم قناعتك بنزاهتها
    لعدم وجود المرشح المناسب



    النتائج

    الأكثر تقييما

  • علي الكاش // "سيصبح العراق أكثر دولة بيعت على سطح الأرض"
  • بيانات البعث ناصعة ولم ولن تشوهها ألاعيب الخونة والمنحرفين التضليلية
  • عهد إلى شيخ الجهاد والمجاهدين القائد الأمين المجاهد عزة الدوري المحترم
  • أشعاع ديمقراطية البغاء ينعكس على دول الجوار
  • بيان حول تخرصات الكذاب الأشر وتضليل زمرة البغي والتدجيل
  • بيان من شيوخ ووجهاء عشائر النجف الاشرف
  • بيان قيادة قطر العراق // صرح فساد العملية السياسية يتهاوى
  • الممثل الرسمي للبعث في العراق .. ينفي نفيا قاطعا كل ما جاء في جريدة النهار الجزائرية من حديث منسوب للرفيق المجاهد عزة إبراهيم الدوري
  • عندما أفقت من حُلُم القطار على واقع الأسوار
  • قيادة قطرالعراق //قيادة فرع كربلاء // بيان بخصوص مساعي تغيير معالم محافظة كربلاء وارثها التاريخي

  • الاكثر مشاهدة

  • الممثل الرسمي للبعث في العراق .. ينفي نفيا قاطعا كل ما جاء في جريدة النهار الجزائرية من حديث منسوب للرفيق المجاهد عزة إبراهيم الدوري
  • التقرير نصف السنوي عن أوضاع حقوق الإنسان في العراق
  • شاهد عيان يكشف عن فضيحة وجريمة لـ نجل المالكي زعيم دولة الفانون في وضح النهار في احد شوارع بغداد!.
  • شبكة المنصور // خبر عاجل
  • عهد إلى شيخ الجهاد والمجاهدين القائد الأمين المجاهد عزة الدوري المحترم
  • الدكتور محمود عزام // سؤال الى مجلس النواب..والحكومة..
  • هل ستذهب يا عراقي لانتخاب اعضاء الحكومة الحالية أنفسهم؟!!!
  • بيان من شيوخ ووجهاء عشائر النجف الاشرف
  • مهند الموسوي // نداء عاجل لكل العراقيين الاصلاء المقيمين في مصر
  • صادق الرماحي // استنفار لدى المرجعية السستانية ومطالبة عاجلة من المالكي
  • نصري حسين كساب // الصفويين المخانيث رئيس نقابتهم ( عمار الحكيم )
  • المتحدث الرسمي لحزب البعث العربي الاشتراكي في حوار مع صحيفة الوطن
  • ما لا تعرفه عن قصة عالم الفيزياء العراقي (اسماعيل خليل الجاسم) وكيفية استدراجه إلى العراق من قبل حكومة العمائم ثم خطفه وسجنه ومحاكمته بأغرب تهمة.! - مناشدة عاجلة
  • العمليات الجهادية لتشكيل 897 لشهر نيسان 2009
  • عراق المطيري // منطقة الكويت عراقية وستبقى عراقية
  • الدكتور خضير المرشدى : عزة الدوري بخير و يتمتع بصحة جيدة
  • بيان حول تخرصات الكذاب الأشر وتضليل زمرة البغي والتدجيل
  • د. مهند العزاوي // "الحرب الديموغرافية demographic war" السلاح السري لتفتيت العالم العربي والإسلامي
  • أشعاع ديمقراطية البغاء ينعكس على دول الجوار
  • بيانات البعث ناصعة ولم ولن تشوهها ألاعيب الخونة والمنحرفين التضليلية

  • Rss Feed